بقلم: حمزة تكين الصحفي والكاتب التركي
في قلب جبالٍ شاهقة تلامس السماء، وعلى سفوحٍ تكسوها الرياح العاتية والثلوج الأبدية، وُلدت حكاية لا تشبه سواها، حكاية شعبٍ لم يعرف الخضوع يومًا، ولم يتنازل عن كرامته مهما عظمت التضحيات.. هو الشعب الأفغاني، الذي حمل على كتفيه قدرًا استثنائيًا، وجعل من أرضه مسرحًا لصراع الإمبراطوريات، ومقبرةً لكل محتلٍّ ظنّ أن الحديد والنار قادران على إخضاع الروح الحرة.
منذ القرن التاسع عشر، حين تقدّمت جيوش الإمبراطورية البريطانية بثوبها المتغطرس تبحث عن توسعٍ جديد يؤمّن حدودها في الهند، كان الأفغان على موعدٍ مع أول اختبار.
دخلت جيوش بريطانيا إلى كابل مزهوّة، لكن الشعب الأفغاني سرعان ما تحوّل إلى كتلة من اللهب تقاتل تحت راية الكرامة.
لم تكن البنادق القديمة ولا الخيول المتعبة لتقارن بمدافع الإمبراطورية، لكن في كل وادٍ كانت هناك كمائن، وفي كل جبل كانت هناك صيحة مقاوم يرفض الاستسلام.
وهكذا، لم يمض وقت طويل حتى تحوّل الاحتلال البريطاني إلى مأساة عسكرية، وخرجت جحافل بريطانيا من أفغانستان مثقلة بالهزيمة والعار، تاركة خلفها آلاف القتلى وصدى كلمات يرددها التاريخ “أفغانستان ليست أرضًا تُحتل”.
ومع بدايات القرن العشرين، جدد البريطانيون محاولتهم، فعادوا يطرقون الأبواب بالنار والرصاص، لكن مرة أخرى تكسّرت أحلامهم على صخرة الإرادة الأفغانية.
وحين دبّ الضعف في أوصال الإمبراطورية العجوز بعد الحرب العالمية الأولى، استغل الشعب الأفغاني الظروف وأشعل فتيل الثورة، حتى تم إجبار بريطانيا على الاعتراف بأفغانستان دولةً حرة سيدة قرارها.
كان ذلك النصر الأول الذي رسّخ في وجدان الأفغان أن الحرية ليست منحة تُعطى، بل حق يُنتزع بالدم.
لكن الظروف لم تترك لهذا الشعب فسحة طويلة من الراحة، فبعد عقود قليلة جاء طوفانٌ أشد وأقسى، يوم قرر الدب السوفييتي أن يمد مخالبه إلى جبال كابل، ففي شتاء عام 1979 اجتاحت الدبابات الروسية الأرض، واعتقد الكرملين أن أفغانستان مجرد ولاية صغيرة سيسهل ابتلاعها، لكن ما لم يدركه السوفييت أن الجبال التي تكسوها الثلوج تحتضن رجالاً يختزنون صلابةً تفوق قساوة الصخور.. خرج الفلاحون من حقولهم، والطلاب من مدارسهم، والشيوخ من مساجدهم، يحملون البنادق القديمة ويهتفون باسم الله.
تحت راية الجهاد اجتمع الشعب الأفغاني، وتحوّل الوادي إلى خندق، والكهف إلى حصن، والمسجد إلى غرفة عمليات.
كانت الحرب غير متكافئة، طائرات حربية أمام مقاتلين يختبئون في الكهوف، دبابات فولاذية أمام فرسانٍ على ظهور الخيل، لكن المعركة لم تكن معركة سلاحٍ فحسب، بل معركة إيمان وصبر.
ومع كل عام يمر، كان السوفييت ينزفون أكثر، حتى وصلت صواريخ “ستينغر” إلى أيدي المجاهدين، فأسقطوا الطائرات، وأربكوا جيشًا كان يعد من أعتى جيوش الأرض.
وبعد 10 سنوات من حرب استنزاف لا هوادة فيها، اضطر السوفييت إلى الانسحاب مهزومين، يجرّون وراءهم ذيول الخيبة، لتتحوّل أفغانستان مرة أخرى إلى مقبرة لطموحات الغزاة، وليكون ذلك الانتصار مقدمة لانهيار الاتحاد السوفييتي بأسره.
غير أنّ المأساة لم تنتهِ، ففي مطلع القرن الجديد، هزّت أحداث الحادي عشر من أيلول/سبتمبر العالم، وجاءت الولايات المتحدة بجيوشها الجرارة من خلف البحار، تحمل أحدث أسلحة العصر.. دخلت كابل خلال أسابيع، وأسقطت الحكم الذي كان قد ارتضاه الشعب، وظنّ العالم أن هذه المرة مختلفة، وأن الإمبراطورية الجديدة لن تعجز عمّا عجز عنه من قبلها، غير أن الأيام كشفت أن جبال هندوكوش لا تعرف لغة الاحتلال، وأن الدم الأفغاني لا يرضى الضيم.
بدأت المقاومة صغيرة، لكنها ما لبثت أن امتدت واتسعت، حتى صارت نارًا تشتعل في كل صوب.
كانت الطائرات الأميركية تجوب السماء، لكن الأرض لم تهدأ يومًا من كمائن المقاومة.. كل قاعدة عسكرية كانت محاصرة بالخوف، وكل جندي أميركي كان يعيش هاجس العودة في تابوتٍ مغطى بالعلم.. أنفقت واشنطن تريليونات الدولارات، وحشدت عشرات الآلاف من الجنود، لكنها لم تستطع أن تطفئ جذوة الرفض في قلوب الشعب الأفغاني.
سنوات طويلة مضت والأميركيون يظنون أنهم يسيطرون على المدن الكبرى في أفغانستان بينما الريف والجبال تعود يومًا بعد يوم إلى أيدي المقاومة، حتى جاء عام 2021، فإذا بالإمبراطورية العظمى تعلن عجزها، وتنسحب في مشهدٍ صادم للعالم بأسره.
انسحبت الولايات المتحدة الأمريكية كما انسحب البريطانيون والسوفييت من قبلها، وتركت خلفها سؤالًا يجلجل في التاريخ: ما سر هذه الأرض التي لا تقبل الاحتلال؟
إنها ليست الأرض وحدها، بل أهلها. رجالٌ ونساءٌ وأطفال – وكما رأيتُهم أنا شخصيا عندما زرت أفغانستان عدة مرات بعد التحرير – يتوارثون الصمود كما يتوارثون لغتهم ودينهم وثقافتهم.
يعرفون أن الحرية لا ثمن لها إلا الدم، وأن الكرامة لا تباع ولا تشترى، لهذا، وعلى مدار قرنين كاملين، ظلوا يلقّنون كل غازٍ درسًا لا يُنسى.
قد تدخل كابل، قد ترفع راياتك فوق قصورها، لكنك لن تملك الروح الأفغانية، ولن تستطيع أن تقتل الإيمان المتجذّر في القلوب.. هذه الجملة سمعتُها كثيرا من قيادات الشعب الأفغاني ومن أفراد الشعب في شوارع كابل ومدن أفغانية أخرى.
هكذا صارت أفغانستان رمزًا للصمود في وجه الجبروت، ومقبرةً تتساقط فيها أوهام الإمبراطوريات الكبرى، ومن بين جبالها ووديانها تخرج حكاية تتردد في أسماع الأحرار: أن شعبًا إذا تمسك بحقه ورفض الذل، فإنه مهما طال الليل، فلا بد أن يشرق الفجر، ولا بد أن ينتصر.
وبعد مرور 4 أعوام على التحرير نشهد اليوم أفغانستان جديدة تعمل من أجل النهوض ليكون لها كلمة ثقيلة هامة في المنطقة، وتركيا تدعم هذه المرحلة بكل الطرق المتاحة وهي تتمنى للشعب الأفغاني كل خير ونجاح.